عبد الرحمن بن ناصر السعدي
749
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
عليهم من كل باب * ( سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) * . ويقولن لهم أيضا : * ( ولكم فيها ) * أي : في الجنة * ( ما تشتهي أنفسكم ) * قد أعد وهيىء . * ( ولكم فيها ما تدعون ) * أي : تطلبون من كل ما تتعلق به إرادتكم وتطلبونه من أنواع اللذات والمشتهيات ، مما لا عين رأيت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . * ( نزلا من غفور رحيم ) * أي : هذا الثواب الجزيل ، والنعيم المقيم ، نزل وضيافة * ( من غفور ) * غفر لكم السيئات . * ( رحيم ) * حيث وفقكم لفعل الحسنات ، ثم قبلها منكم . فبمغفرته ، أزال عنكم المحذور ، وبرحمته ، أنالكم المطلوب . * ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) * هذا استفهام بمعنى النفي المتقرر أي : لا أحد أحسن قولا . أي : كلاما وطريقة ، وحالة * ( ممن دعا إلى الله ) * بتعليم الجاهلين ، ووعظ الغافلين والمعرضين ، ومجادلة المبطلين ، بالأمر بعبادة الله ، بجميع أنواعها ، والحث عليها ، وتحسينها مهما أمكن ، والزجر عما نهى الله عنه ، وتقبيحه بكل طريق يوجب تركه . خصوصا من هذه الدعوة إلى أصل دين الإسلام وتحسينه ، ومجادلة أعدائه بالتي هي أحسن ، والنهي عما يضاده من الكفر والشرك ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر . ومن الدعوة إلى الله ، تحبيبه إلى عباده ، بذكر تفاصيل نعمه ، وسعة جوده ، وكمال رحمته ، وذكر أوصاف كماله ، ونعوت جلاله . ومن الدعوة إلى الله ، التغريب في اقتباس العلم والهدى من كتاب الله ، وسنه رسوله ، والحث على ذلك ، الحث على مكارم الأخلاق ، والإحسان إلى عموم الخلق ، ومقابلة المسئ بالإحسان ، والأمر بصلة الأرحام ، وبر الوالدين . ومن ذلك ، الوعظ لعموم الناس ، في أوقات المواسم ، والعوارض ، والمصائب ، بما يناسب ذلك الحال ، إلى غير ذلك ، مما لا تنحصر أفراده ، بما تشمله الدعوة إلى الخير كله ، والترهيب من جميع الشر . ثم قال تعالى : * ( وعمل صالحا ) * أي : مع دعوته الخلق إلى الله ، بادر هو بنفسه ، إلى امتثال أمر الله ، بالعمل الصالح ، الذي يرضي ربه . * ( وقال إنني من المسلمين ) * أي : المنقادين لأمره ، السالكين في طريقه . وهذه المرتبة ، تمامها للصديقين ، الذين عملوا على تكميل أنفسهم ، وتكميل غيرهم ، وحصلت لهم الوراثة التامة من الرسل . كما أن من شر الناس قولا ، من كان من دعاة الضلال السالكين لسبله . وبين هاتين المرتبتين المتباينتين ، اللتين ارتفعت إحداهما إلى أعلى عليين ، ونزلت الأخرى ، إلى أسفل سافلين ، مراتب ، لا يعلمها إلا الله ، وكلها معمورة بالخلق * ( ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون ) * . * ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) * يقول تعالى : * ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ) * أي : لا يستوي فعل الحسنات والطاعات ، لأجل رضا الله تعالى ، وفعل السيئات والمعاصي ، التي تسخطه ولا ترضيه . ولا يستوي الإحسان إلى الخلق ، ولا الإساءة إليهم ، لا في ذاتها ، ولا في وصفها ، ولا في جزائها * ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) * . ثم أمر بإحسان خاص ، له موقع كبير ، وهو : الإحسان إلى من أساء إليك فقال * ( ادفع بالتي هي أحسن ) * أي : فإذا أساء إليك مسيء من الخلق ، خصوصا من له حق كبير عليك ، كالأقارب ، والأصحاب ، ونحوهم ، إساءة بالقول أو بالفعل ، فقابله بالإحسان إليه . فإن قطعك فصله ، وإن ظلمك فاعف عنه ، وإن تكلم فيك ، غائبا أو حاضرا ، فلا تقابله ، بل اعف عنه ، وعامله بالقول اللين . وإن هجرك ، وترك خطابك ، فطيب له الكلام ، وابذل له السلام . فإذا قابلت الإساءة بالإحسان ، حصل فائدة عظيمة . * ( فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) * أي : كأنه قريب شفيق . * ( وما يلقاها ) * أي : وما يوفق لهذه الخصلة الحميدة * ( إلا الذين صبروا ) * نفوسهم على ما تكره ، وأجبروها على ما يحبه الله . فإن النفوس مجبولة على مقابلة المسئ بإساءته وعدم العفو عنه ، فكيف بالإحسان ؟ فإذا صبر الإنسان نفسه ، وامتثل أمر ربه ، وعرف جزيل الثواب وعلم أن مقابلته للمسيء بجنس عمله ، لا تفيده شيئا ، ولا تزيد العداوة إلا شدة ، وأن إحسانه إليه ليس بواضع قدره ، بل من تواضع لله رفعه ، هان عليه الأمر ، وفعل ذلك متلذذا مستحليا له . * ( وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) *